الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
104
مناهل العرفان في علوم القرآن
وهو نسخ الحكم دون التلاوة ، فإنه وحده هو الذي يترتب عليه وجود متروك العمل في القرآن . أما نسخ التلاوة مع الحكم أو مع بقائه ، فلا تدل الآية على امتناعه بهذا التأويل . ( ثانيها ) أن معنى الباطل في الآية ما خالف الحق ، والنسخ حق . ومعنى الآية أن عقائد القرآن موافقة للعقل ، وأحكامه مسايرة للحكمة ، وأخباره مطابقة للواقع وألفاظه محفوظة من التغيير والتبديل ، ولا يمكن أن يتطرق إلى ساحته الخطأ بأي حال ، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . وبالحقّ أنزلناه وبالحقّ نزل » . ولعلك تدرك معي أن تفسير الآية بهذا المعنى ، يجعلها أقرب إلى إثبات النسخ ووقوعه ، منها إلى نفيه وامتناعه ، لأن النسخ - كما قررنا - تصرف إلهي حكيم ، تقتضيه الحكمة ، وترتبط به المصلحة . ( ثالثها ) أن أبا مسلم على فرض أن خلافه مع الجمهور لفظي لا يعدو حدود التسمية ، نأخذ عليه أنه أساء الأدب مع اللّه ، في تحمسه لرأى قائم على تحاشى لفظ اختاره - جلت حكمته - ودافع عن معناه بمثل قوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها . وهل بعد اختيار اللّه اختيار ؟ وهل بعد تعبير القرآن تعبير ؟ سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا . إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . ( رابعها ) أن هناك فروقا بين النسخ والتخصيص ، وقد فصلناها فيما سبق ، فارجع إليها إن شئت ، حتى تعلم شطط صاحبنا فيما ذهب إليه . جنبنا اللّه الشطط وطريق العوج . ملاحظة تشيع لأبى مسلم بعض الباحثين من قدامي ومحدثين ، وحطبوا في حبله قليلا أو كثيرا . وذاعت شبهات حديثة فاسدة حول تشريع الإسلام للنسخ ، ولكنها لا تخرج عند